ابن قيم الجوزية
528
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وتوحيده . وأن كل مصيبة دون مصيبة الدين فهينة . وأنها في الحقيقة نعمة . والمصيبة الحقيقية مصيبة الدين « 1 » . ومنها : توفية أجرها وثوابها يوم الفقر والفاقة . وفي بعض الآثار : أنه يتمنى أناس يوم القيامة لو أنّ جلودهم كانت تقرض بالمقاريض ، لما يرون من ثواب أهل البلاء . هذا ، وإن العبد ليشتد فرحه يوم القيامة بما له قبل الناس من الحقوق في المال والنفس والعرض . فالعاقل يعدّ هذا ذخرا ليوم الفقر والفاقة . ولا يبطله بالانتقام الذي لا يجدي عليه شيئا . المشهد العاشر : مشهد « الأسوة » . وهو مشهد شريف لطيف جدا . فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون له أسوة برسل اللّه ، وأنبيائه وأوليائه ، وخاصته من خلقه . فإنهم أشد الخلق امتحانا بالناس ، وأذى الناس إليهم أسرع من السيل في الحدور . ويكفي تدبر قصص الأنبياء عليهم السلام مع أممهم . وشأن نبينا صلى اللّه عليه وسلم وأذى أعدائه له بما لم يؤذه من قبله . وقد قال له ورقة بن نوفل « لتكذّبن . ولتخرجنّ . ولتؤذينّ » وقال له « ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي » وهذا مستمر في ورثته كما كان في مورثهم صلى اللّه عليه وسلم . أفلا يرضى العبد أن يكون له أسوة بخيار خلق اللّه ، وخواص عباده : الأمثل فالأمثل ؟ ومن أحب معرفة ذلك فليقف على محن العلماء ، وأذى الجهال لهم . وقد صنف في ذلك ابن عبد البر كتابا سماه « محن العلماء » . المشهد الحادي عشر : مشهد « التوحيد » وهو أجلّ المشاهد وأرفعها . فإذا امتلأ قلبه بمحبة اللّه ، والإخلاص له ومعاملته ، وإيثار مرضاته ، والتقرب إليه ، وقرة العين به ، والأنس به ، واطمأن إليه ، وسكن إليه ، واشتاق إلى لقائه ، واتخذه وليا دون من سواه ، بحيث فوّض إليه أموره كلها . ورضي به وبأقضيته . وفني بحبه وخوفه ورجائه وذكره والتوكل عليه ، عن كل ما سواه : فإنه لا يبقى في قلبه متسع لشهود أذى الناس له البتة . فضلا عن أن يشتغل قلبه وفكره وسرّه بتطلب الانتقام والمقابلة . فهذا لا يكون إلا من قلب ليس فيه ما يغنيه عن ذلك ويعوضه منه . فهو قلب جائع غير شبعان . فإذا رأى أيّ طعام رآه هفت إليه نوازعه . وانبعثت إليه دواعيه . وأما من امتلأ قلبه بأعلى الأغذية وأشرفها : فإنه لا يلتفت إلى ما دونها . وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . واللّه ذو الفضل العظيم . وأما قوله « أن يستفيد بمعرفة أقدار الناس ، وجريان الأحكام عليهم : محبتهم له ، ونجاتهم به » .
--> ( 1 ) في هامش أحد الأصول ما نصه : حبس السلطان رجلا . فكتب إليه بعض إخوانه الصالحين : اشكر اللّه . ثم ضرب . فكتب إليه : اشكر اللّه . ثم قيد هو ومجوسي مبطون بقيد واحد . فكان المجوسي يقوم بالليل لقضاء الحاجة مرات . وكلما ذهب ذهب معه الرجل ، فيقف على رأسه حتى يقضي حاجته . فكتب إليه صاحبه : اشكر اللّه . فقال : على ماذا أشكر اللّه ؟ وأي بلاء فوق ما أنا فيه ؟ فكتب إليه : لو جعل الزنار الذي في وسطه في وسطك كما جعل القيد في رجلك ما كنت تصنع ؟ فاشكر اللّه على سلامة الدين .